الشيخ الطبرسي

334

تفسير مجمع البيان

فهو أرض . وهذا مثل الأول أو قريب منه وثالثها : إن المراد ما دامت الآخرة وهي دائمة أبدا كما أن دوام السماء والأرض في الدنيا قدر مدة بنائها ، عن الحسن ورابعها : إنه لا يراد به السماء والأرض بعينها ، بل المراد التبعيد ، فإن للعرب ألفاظا للتبعيد في معنى التأبيد ، يقولون : لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار ، وما دامت السماء والأرض ، وما نبت النبت ، وما أطت الإبل ، وما اختلف الجرة والدرة ، وما ذر شارق ( 1 ) ، وفي أشباه ذلك كثرة ، ظنا منهم أن هذه الأشياء لا تتغير . ويريدون بذلك التأييد لا التوقيت ، فخاطبهم سبحانه بالمتعارف من كلامهم على قدر عقولهم ، وما يعرفون . قال عمرو بن معد يكرب : وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان ( 2 ) وقال زهير : ألا لا أرى على الحوادث باقيا ، ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا وإلا السماء ، والنجوم ، وربنا * ، وأيامنا معدودة ، واللياليا لأنه توهم أن هذه الأشياء لا تفنى وتخلد . وأما الكلام في الاستثناء : فقد اختلفت فيه أقوال العلماء على وجوه أحدها أنه استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار ، والزيادة من النعيم لأهل الجنة . والتقدير : إلا ما شاء ربك من الزيادة على هذا المقدار ، كما يقول الرجل لغيره : لي عليك ألف دينار إلا الألفين اللذين أقرضتكهما وقت كذا . فالألفان زيادة على الألف بغير شك ، لأن الكثير لا يستثنى من القليل ، عن الزجاج ، والفراء ، وعلي بن عيسى ، وجماعة . وعلى هذا فيكون ( إلا ) بمعنى سوى أي : سوى ما شاء ربك ، كما يقال ما كان معنا رجل إلا زيد أي : سوى زيد . وثانيها : ان الاستثناء واقع على مقامهم في المحشر والحساب ، لأنهم حينئذ ليسوا في جنة ، ولا نار ، ومدة كونهم في البرزخ الذي هو ما بين الموت والحياة ، لأنه تعالى لو قال خالدين فيها أبدا ، ولم يستثن ، لظن الظان أنهم يكونون

--> ( 1 ) الأطيط : صوت الإبل وحنينها ، أو صوت أجوافها من الكظة إذا شربت . والجرة بالكسر : ما يخرجه البعير من بطنه ليمضغه ثم يبلعه . والدرة : اللبن إذا كثر وسال . واختلافها أن الدرة تسفل إلى الرجلين . والجرة تعلو إلى الرأس . قاله في ( اللسان ) . وذرت الشمس : طلعت . والشارق : الشمس . ( 2 ) الشعر مذكور في ( جامع الشواهد ) .